الحمد لله
أولا :
ليس من شك في أن من حسنات المراسلة ، ودخول المنتديات والمواقع الحوارية : أن يشغل
المستخدم الزمان والمكان الذي يشارك فيه بما ينفعه وينفع غيره في أمر الدين والدنيا
، وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لنا في كل أمر : ( احرص على ما ينفعك ) [ رواه
مسلم ] .
غير أن النية الصادقة الصالحة لا تكفي وحدها في نجاة العبد ، وبلوغه الخير الذي
يؤمله ، حتى يضم إلى ذلك عملا صالحا موافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه .
وهنا فيما يتعلق بالمسائل الدينية والمعلومات الشرعية ، والأحاديث النبوية
المتداولة في المنتديات والرسائل الإلكترونية ، يحدث خلل كبير في تداوله وتبادلها ؛
وذلك حين يكون في الرسالة معلومة مغلوطة أحيانا ، وأحيانا لم نتثبت منها ، ثم نسارع
إلى تبادلها ، ودعوة الناس إلى ذلك : ( انشر تؤجر ) قبل أن نتأكد من دقة هذه
المعلومة ، وصحة ما ورد في الرسالة أو المشاركة .
وتزداد المسألة خطرا حين تتعلق بنسبة حديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو حكم
إلى الشرع المطهر ، قبل التأكد من صحة هذه النسبة ، ودقتها . وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم : ( اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ ؛ فَمَنْ
كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) رواه
الترمذي وحسنه ، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ؛ وآخر الحديث : ( مَنْ كَذَبَ
عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) متفق عليه ، بل
ذكر بعض أهل العلم أنه من جملة الأحاديث المتواترة . ينظر : "نظم المتناثر" ،
للكتاني (28) .
وروى مسلم في مقدمة صحيحه (5) : ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ
بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) .
والواجب على المرأ أن يتثبت من المعلومة قبل نشرها ، ودعوة الناس إليها ، إما بأن
يراجعها بنفسه في كتب أهل العلم ، ومظان ورودها ، إن كان عنده مقدرة على ذلك ، أو
بأن يسأل أهل العلم بذلك الباب ( التخصص ) الذي تنتمي إليه المعلومة ، فيسأل أهل
الحديث عن صحة الحديث ، وأهل الفقه عن صحة الحكم ودقة الفتوى ، وهكذا . إلا أن تكون
الرسالة قد وردته عن طريق من يثق بعلمه في هذا التخصص ، ويعلم دقته فيه ، فهنا لا
بأس عليه أن ينتفع بها في نفسه ، ويرسلها إلى غيره ، بناء على أنه تلقاها من أهل
الذكر في هذا الباب ، وقد أدى ما عليه .
ثانيًا :
النص الأول المروي عن ابن عمر في هذه الرسالة هو من هذا الباب :
فالقول إن البخاري رواه ، ليس بصحيح ، لأن المراد بذلك أن يكون رواه في صحيحه ،
والبخاري إنما رواه في كتاب " التاريخ " ، وكتاب التاريخ ليس من كتب السنن
والمسانيد ، بل هو من كتب العلل ، ولذلك لم يقتصر فيه على " الصحيح " كما فعل في
"صحيحه" المشهور ، بل كثيرا ما يروي الحديث فيه لبيان علته ، أو التنبيه على ضعفه ،
وهو الأمر الذي فعله في هذا الحديث ، فقد قال بعد أن رواه (6/292) : "ولا أراه يصح"
اهـ ؛ فتأمل كيف أن البخاري ذكر أنه لا يصح ، وكيف أن الرسالة أوهمت أنه في صحيح
البخاري ؟!
وقد عزاه الحكيم الترمذي إلى أبي الدرداء ، من قوله ، موقوفا عليه ، أيضا ، لكن لم
نقف على إسناده .
ثم إن هذا الأثر ، لو صح : فليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، كما في رواية
البخاري في تاريخه ، بل هو من كلام عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد صرح بذلك
البيهقي بعد روايته له في شعب الإيمان (3/29) : "هكذا جاء موقوفا " . انتهى . يعني
: أن الرواية إنما وردت عن عبد الله بن عمرو بن العاص من كلامه ، ولم ترد على أنها
من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا مع ما سبق من أن الإمام البخاري رحمه الله
أشار إلى عدم صحة الرواية الموقوفة أيضا .
وأمر غيبي لا يحكم فيه بمجرد الرأي والاجتهاد ، بل لا بد من أن يكون مبينا على سنة
عن المصطفى صلى الله عليه وسلم .
وأما الحديث الآخر : ( من بات طاهراً بات في شعاره ملك ؛ فلم يستيقظ إلا قال الملك
: 'اللهم اغفر لعبدك فلان فإنه بات طاهراً' ) .
وهذا الحديث رواه أبو عبيد القاسم في " الطهور" ـ ط مشهور ـ (رقم/70) وابن المبارك
في "المسند" (رقم/64) وابن حبان في "صحيحه" (1051) والطبراني في " الكبير" (12/446)
من حديث ابن عمر .
ورواه ابن المبارك في "الزهد" (1244) ومن طريقه : البيهقي في "الشعب" (2780)
و"الدعوات" (375) من حديث أبي هريرة .
ورواه الطبراني في "الأوسط" (5087) من حديث ابن عباس .
وقد ذكره العقيلي في ترجمة عباس بن عتبة ، وقال : " لا يصح حديثه " ، ثم قال : "
وقد روي هذا بغير هذا الإسناد بإسناد لين أيضا " انتهى . " الضعفاء الكبير" للعقيلي
(3/362) .
وقد خرجه الشيخ أبو إسحاق الحويني في " الفتاوى الحديثية" له (1/456ـ ترقيم
الشاملة) ورجح ضعفه .
وينظر : " السلسلة الصحيحة " للشيخ الألباني رحمه الله (2395) .
ثالثًا :
يغنينا عما سبق في فضل الوضوء عند النوم ما رواه البخاري (247) ومسلم (2710) عَنْ
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ
لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ قُلْ :
اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ،
وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ
وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي
أَنْزَلْتَ ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ؛ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ
فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ ) .
قَالَ : فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَلَمَّا بَلَغْتُ : اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ ، قُلْتُ :
وَرَسُولِكَ . قَالَ : ( لَا ؛ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ) .
قال الإمام الترمذي رحمه الله ، عقب روايته لهذا الحديث في "سننه" (3574) : " ولا
نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء [ يعني : عند النوم ] إلا في هذا الحديث" انتهى
.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
قَوْله ( فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ ) الْأَمْر فِيهِ لِلنَّدَبِ .
وَلَهُ فَوَائِد : مِنْهَا أَنْ يَبِيت عَلَى طَهَارَة لِئَلَّا يَبْغَتهُ الْمَوْت
فَيَكُون عَلَى هَيْئَة كَامِلَة , وَيُؤْخَذ مِنْهُ النَّدْب إِلَى الِاسْتِعْدَاد
لِلْمَوْتِ بِطَهَارَةِ الْقَلْب لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ طَهَارَة الْبَدَن .. ،
وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ فِي حَقّ الْمُحْدِث وَلَا سِيَّمَا الْجُنُب وَهُوَ أَنْشَط
لِلْعَوْدِ , وَقَدْ يَكُون مُنَشِّطًا لِلْغُسْلِ ، فَيَبِيت عَلَى طَهَارَة
كَامِلَة . وَمِنْهَا أَنْ يَكُون أَصْدَق لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَد مِنْ تَلَعُّب
الشَّيْطَان بِهِ " . انتهى .
والله أعلم