|
بائع جائل بدرجة خبير اقتصادي |
لا يمتلك محلا ثابتا، يسير في الطرقات ببضاعته، تتجاذبه شوارع العاصمة السودانية، موسى.. البائع الجائل بدرجة خبير اقتصادي، ترك الدراسة بعد وفاة والده، ليعمل ماسحا للأحذية، كي يوفر الطعام لأسرته المكونة من ستة أفراد.. ثم انتهج طريق التجارة في سلع موسمية على مدار العام، وهو الآن يعمل بائعا (للذرة المشوية) أمام بوابة الجامعة، ومن بدايته كماسح للأحذية وحتى بيعه للذرة المشوية أمام جامعة الخرطوم آلام وأحلام...
البداية من أسفل
بدأ موسى العمل بعد وفاة والده كماسح للأحذية بموقف مواصلات الخرطوم بحري، لكنه لم يلبث بها طويلا، لشقاء العمل ساعات طويلة تحت حرارة الشمس وهو ما لم يقوَ عليه، بالإضافة لطبيعة المهنة التي لا تسمح لمن يعملها بزيادة دخله مهما بذل من جهد لتحقيق ذلك.
فأجرة مسح الحذاء الواحد نصف جنيه سوداني (ربع دولار أمريكي)، وخلال اليوم يمسح موسى حوالي 40 حذاء، وبعملية حسابية بسيطة نجد أن دخله اليومي يتراوح بين الـ(20 والـ25 جنيها سودانيا)، وهو مبلغ لا يكفي لإعالة أسرة موسى، التي تدفع نصف هذا الأجر إيجارا للمنزل.
خبير بمنطق السوق
"الربح.. يزداد في السلع التي يطلبها الزبون".. جملة بسيطة لخص بها موسى منطق السوق، الذي يخضع له الجميع سواء كانوا من كبار الرأسماليين أو الباعة الجائلين، ويعني أن شكل التجارة ونوعها يختلف وفقا للطلب الذي يتنوع تبعا للمواسم الزمنية، فكما يحدث في محلات الملابس، حيث تغير ما تعرضه وفقا للفصول، فإن موسى هو الآخر يغير ما يتاجر فيه وفقا لهذا المنطق ليزيد دخله اليومي.
ففي فصل الشتاء، يأخذ موسى بذلات البرد الثقيلة "السيوترات" من تاجر في السوق العربي، على أن يدفع فقط قيمة البذلات المباعة ويرد الراجع، ويحصل موسى على هامش ربح مناسب عن كل بذلة يبيعها، كما أنه بالإضافة للمتاجرة في الملابس الثقيلة فإنه يبيع بعض الكريمات المرطبة للبشرة، والجلسرين والفازلين الشائعين في الاستخدام عند حلول الشتاء في السودان.
وحين يشتد الحر صيفا يتحول موسى إلى بيع الثلج في طريق المواصلات العامة، ويعمد إلى تقسيم لوح الثلج، الذي يبلغ طوله مترا واحدا تقريبا، إلى أربعة أرباع، ليشجع الجمهور على الشراء. ويستعين في زيادة دخله اليومي في الصيف -بطبلية- مائدة صغيرة، يعرض عليها أمام "كشك الثلج" بعض الأشياء التي يكثر الناس من شرائها كالسجائر والسعوط (نبات مخدر يوضع بين الشفاه واللثة) وحلوى اللبان ومناديل الورق، وحبوب "البندول" المهدئة للصداع والحمى.
بناء الثقة هو الأساس
ويتجاوز موسى منطق الفصول إلى منطق المواسم الإنتاجية، فهو يتاجر في كل محصول جديد، تجده تاجرا للبطيخ في موسم البطيخ وتاجرا للطماطم في موسم الطماطم، وبائع للذرة المشوية في موسم الذرة، التي أقبل على تجربة بيعها لطلاب الجامعة لأنهم يقبلون على شرائها بمبلغ يفوق قيمتها الحقيقية بكثير، لا لشيء إلا لأنهم لا يجدونها في بيوتهم.
موسى وهو يقص تجربته على مراسل "إسلام أون لاين" أكد أهمية أمرين: الأول بناء الثقة بين البائع الجائل والتاجر الذي يقرضه البضاعة، والثاني تنويع البضاعة لاستقطاب أكبر عدد من الزبائن والعودة في آخر اليوم بأكبر قدر من الربح.
كفة المتسول أرجح
"الهوا" كلمة السر التي يتنادى به موسى مع رفاقه عند الخطر، يكمن هذا الخطر، وفقا لتعبيره في سيارة البلدية وشرطتها، التي تعتبر مهمتها الأساسية هي منع الباعة الجائلين من العمل التجاري، ويرى موسى وعدد من رفاقه أن البلدية هي أكبر المشكلات التي تعيق عملهم، واستقراره في مكان واحد، بالإضافة إلى أن البائع يمكن أن يخسر كل رأسماله في حالة وقوعه في قبضة شرطة البلدية، ولهذا يتساءل موسى لماذا تتسامح البلدية مع المتسولين الذين لا ينتجون شيئا وتلاحق البائع الجائل؟
"الجمعية" طريقا للاستقرار
ومن مخاوفه إلى أحلامه بمستقبل أفضل، يحلم موسى ومن هم على شاكلته بحلم بسيط يؤمن مستقبلهم، وهو كشك صغير لا تتجاوز مساحته ثلاثة أمتار، ولتحقيق هذا الحلم يتعاونون جميعهم في إطار ما يعرف بالجمعية الشهرية (وهي طريقة للتوفير تقوم على أن يتفق عدد من الأشخاص على دفع مبلغ شهري معلوم في يوم محدد ويصرف هذا المبلغ دوريا لواحد منهم)، وقد أقمنا جمعية شهرية، ويتراوح الرسم الشهري للجمعية بين 150 جنيها سودانيا إلى 200 جنيه، وفي الغالب لا يتجاوز عدد أفرادها 12 فردا، حتى تكتمل دورتها خلال عام واحد.
أما في حالة عدم كفاية الصرفية لشراء محل فإن الخيار المتاح أمامهم هو استئجار "دلفة باب" (وهو محل صغير يكون في الغالب في مساحة باب المحال التجارية وتعرض فيها بضائع صغيرة الحجم كمساحيق التجميل والشنط اليدوية وكروت شحن الموبايل، وتحظى في الغالب بسوق مزدهر) وبنصف ضحكة وبأمل كامل قال موسى: "وإن شاء الله بعد سنوات قليلة سيكون عندي محل تجاري كامل".
ومن حلمهم بكشك لمقاومة البلدية.. إلى مقاومة الإحباط، يتصبر موسى ورفاقه من الشباب بتداول قصص التجار الذين سلكوا طريق النجاح من الصفر، كالشيخ مصطفى الأمين في الخرطوم والحاج بابكر أبو سنون في مدني.